لا همّ للطفل في أول عهده بالوجود إلا إرضاء شهوة البطن , يساق إليه الغذاء فيُلهَم تناوله إلهامًا ، ثم يعطى التمييز بالحواس الظاهرة ثم بالحواس الباطنة ، يكون فيه أولاً ضعيفًا ثم يقوى بالاستعمال تدريجًا ، يطلب أولاً كل شيء يراه للأكل قريبًا كان أم بعيدًا ، ثم يطلبه لأجل اللعب ، يجهل أولاً تحديد المسافات فيمد يده إلى قمر السماء ويحاول القبض على الطيور في الهواء ، ثم يشعر من تكرار الخيبة بضعفه وعجزه ، فيطلب مثل هذا من أبيه أو أمه لأنه يعهد منهما بالمعاملة في كل يوم تحصيل رغائبه التي يعجز عنها ، ثم يتم تمييزه لهذه البديهيات وينتقل إلى مبدأ طور الفكر والتعقل وإدراك المصالح والمنافع في الجملة وهو طور بين الطفولية والرجولية ، ولكن الولدان يكونون فيه أقرب إلى ماضيهم من مستقبلهم فيؤثرون ما يرتاحون إليه ويلتذون به على ما فيه كلفة ومشقة ، وإن كانت المصلحة وحسن العاقبة في هذا دون ما قبله ، وينظرون إلى أنفسهم وحدها دون مَن يعيشون معهم ؛ لأنهم يتوهمون أن الإنسان مكلف بنفسه دون غيره ، وأنه يمكن له أن يكون سعيدًا بين الأشقياء وناعمًا بين ذوي البأساء والضرّاء ، ولذلك كانوا أشد الحاجة إلى الهادين والمرشدين الذين يثقفونهم ويربونهم مستعينين عليهم بهدي الدين وحوادث الكون والوجود , وإلا انتقلوا إلى طور الرجولية بحيوانيتهم دون إنسانيتهم وبأجسامهم دون أرواحهم وأحلامهم . وبعد ، فإن هذا العدد العظيم الذي يبلغ ثلاثمائة ألف ألف أو يزيد ، الذي نسميه الأمة الإسلامية قد أمسى بحالة من الضعف الصوري والمعنوي والفقر المادي والأدبي يستحي من ينتسب إليه من وصفها وشرحها , وقصارى ما نقول فيه : إنه لا يسمى أمة إلا بضرب من التجوز كما تسمى صورة الأسد المرسومة في الجدار أسدًا . فقد كان المسلمون - وهم أقل الأمم عَددًا وعُددًا - أعز الأمم وأقواها وأعلمها وأغناها ، ثم انقطع السلك فتناثر الحب وبطل إطلاق اسم العقد عليه إلا إذا لوحظ ما كان دون ما هو كائن ، ويظن الجاهلون أنه لا رجاء في نظم العقد ثانية وانتظام شمل المسلمين ، ويعتقد الذين لا يقنطون من رحمة الله ولا ييأسون من روحه أنه لابد أن ينجز لهذا الدين وعده { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه } ( التوبة : 33 ) فيستمر ظهوره وغلبته إلى آخر الزمان ، وقد ورد في الخبر : إن أمة النبي صلى الله عليه وسلم كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره ، بل ورد أيضًا أن الخير فيه –عليه الصلاة والسلام- وفي أمته إلى يوم القيامة قد أتى على الأمة حين من الدهر والخير فيها يقل والشر ينمو , حتى وصلت
إلى ما هي فيه اليوم ، وإننا نرى الآن في جوّها المظلم بالفتن برقًا يومض بين الغيوم المتكاثفة ، ويوشك أن يعم فيكون الظلام نورًا ، وأقول كما قال حكيمنا :
























